31 - 08 - 2025

رشقة أفكار | الوطن.. هل يجب أن يكون سجنا كبيرا ليحميه من التمزق والضياع؟! (١-٢)

رشقة أفكار | الوطن.. هل يجب أن يكون سجنا كبيرا ليحميه من التمزق والضياع؟! (١-٢)

يخفض البنك المركزي سعر الفائدة تباعا.. ولا تخفض الحكومة سعر أي منتج على الإطلاق!!

على العكس من ذلك ترفع الحكومة  أسعار البنزين حتى أنها ستصل لمستويات قياسية فوق الطاقة والقدرة، وترفع أسعار الكهرباء والماء والبوتجاز.. "هل تعتقد الحكومة أننا كلنا حرامية أو تجار مخدرات أو نعمل في غسيل الأموال" ؟

لماذا هذا "الفُجْر" في التعامل معنا وكأننا ارتكبنا ذنوبا بقبولنا لعملية الإنقاذ التي جرت يوم ٣-٧؟ الشيء الوحيد الذي لن أندم عليه منذ ذلك التاريخ الذي سقط فيه "الإخوان المسلمون" هو هذا الذي جرى معهم كليًا، وأنا هنا لا أنافق  أحدًا ولا أمرر كلاما بليل مدهون بالزبدة، وإنما هي قناعتي بعد تفكير عميق، ولست أخشى أي اتهام بالعداء للدين، ببساطة هؤلاء لاعلاقة لهم بالدين، وليس صحيحا أن الخلاف معهم - كما حلل وفسر كتاب وصحافيّون ذوي اتجاهات تدعم الإسلام السياسي، أننا - كليبيراليين - نتصارع معهم على جزء من الكعكة السياسية في حكم مصر.. فلا هم ولا الحكومة الحالية أبقوا لنا أي جزء من الكعكة.

في يقيني أن هؤلاء وكثير من الفسدة الفجرة لا ينحازون إلى الشعب المصرى. الانحياز إلى الشعب لايعني مطلقًا إخضاعه بالسيطرة عليه جائعا مريضا محروما محزونا لايستطيع أداء ماعليه من التزامات ولا أداء أي حقوق تتطلبها أسرته وحياته. ماذا يعني أن يكون لي وطن وأنا عارٍ من الأموال والإمكانات وليس في جيبي ثمن الدواء والطعام والكساء؟!

تخيلوا.. لا أحد يتحدث الآن عن كلفة الحياة في مصر على الأسر المصرية.. تخيلوا أن كاتبا حينما يتحدث عن عدم توفر المال لرب أسرة لكي يطعم أولاده أو يداويهم أو يلبي احتياجاتهم المدرسية، يتهم بـ "الفجعنة" وبأن  همه على بطنه، وكأن الناس يجب أن تكون في سجن كبير، يأكلون فيه العدس بطينه والفول بسوسه وينامون علي البلاط تقديرا للجدران التي تحميهم وأسقف السجن التي تقيهم من الشمس الحارقة، وللأسوار العالية للسجن التي تمنع طائرات ومدافع الأعداء - أي أعداء - من الإغارة على الوطن وتمنعهم  من السيطرة عليه، سواء بالقوة - أو بالأفكار الهدامة - من إسقاطه كما حدث لشعوب ودول أخرى؟  

ماذا يكسب الناس إن كانت جدران الوطن تحرق قلوبهم وتصعد همومهم إلى أعلى ذري لها.. كيف يمكن لرجل رب أسرة أن يحيا وهو يعيش تحت خط النار والإفقار، أن يفكر أو يخطط جيدا لمستقبل بلاده ولأولاده؟ ثورة يوليو قامت لمواجهة الفساد والرشوة وبعد اندلاعها بسنين طويلة، مازلنا نتحرك في نفس الدائرة ولا أحد يواجه الفساد أو يكافح الرشوة، بل يتعرض للقهر والاستبداد كلما فتح فمه لاعنا الأيام السوداء التي تجعل أذني الحكومة واحدة من طين والأخري من عجين.. فلا ترى ولا تسمع ولاتتكلم، ولاتفعل شيئا سوي رفع يدها عن كل شيء، حتى الأمن بات مفقودًا بين الناس، بسبب تغييب الأمن الجنائي والاجتماعي وتوجيه الاهتمام كله إلى الأمن السياسي، لقمع كل صوت يخالف صوت الحكومة!

هل كتب على الشعب المصري أن يظل مستنزفا لصالح التجار والسماسرة ومن لديهم أموال متخمة على قلوبهم من غسيل الأموال ومن تجارة المخدرات والآثار، فيستطيعون الحصول على كل شيء لأن معهم الأموال؟ تعلن الدولة عن بيع شقق جاهزة بمقدمات عالية فيقبل عليها هؤلاء، فيتواطأون مع سماسرة رسميين، فيحجزون الشقق بمقدمات بالملايين، ثم بمجرد حصولهم على التخصيص يكسبون من بيع أوراقها الطاق أربعة أو خمسة وفي اسوأ الأحوال الطاق طاقين على السعر الذي تقدموا للشراء على أساسه؟ أي شقق هذه التي يمكن ان يبحث عنها الشباب وأسعارها بالملايين ومقدماتها بمئات الألوف؟ وهل هناك جهاز حقيقي يسجل من الذين استفادوا طوال هذه السنوات المنصرمة من هذه المزايا، ولايزالون يستفيدون أكثر وأكثر؟

كيف لأرباب الأسر أن يواصلوا حياتهم ويلبوا احتياجاتهم ورواتبهم لاتزيد والأسعار تشتعل كل يوم ولا نقول كل ساعة؟ ماهو الجهد الذي تبذله الحكومة لمحاولة رفع المعاناة عن الجماهير؟ هذه الجملة العجيبة التي عشناها سنوات مع السادات ثم عشناها سنوات مع مبارك، وكان من فضائله أنه فعليًا لم يقترب من قوت الشعب الضروري، ولم يمس رغيف خبزه ولم يرفع أسعار سلعه الأساسية؟

لماذا تترك الدولة الحيتان يسيطرون على مقدراتها في التصدير والاستيراد والإسكان والأراضي، لماذا لاتوجد قاعدة بيانات تحدد المستفيدين من الامتيازات التي تقدمها الدولة ولا يقدر على الاستفادة منها سوى ذوي الملاءة المالية الضخمة، فلا يواصلون نهب مقدرات الدولة تباعا وبشكل متكرر؟ لمصلحة أي شعب تقوم الدولة بإجراء انتخابات ليست انتخابات ولا يشعر بها أحد وتباع المقاعد فيها بالملايين، ومن هو هذا الذي يشتري مقعدا نيابيا  بالملايين إلا ان كان ضامنا أنه سيكسب الملايين بالمقابل؟ لماذا لا توفر الحكومة هذه الملايين وتعين مجالسها أوفر لنا، وبهذه الأموال تحسن خدمات المستشفيات، وتصلح أمر صناعة الدواء التي دمرت لصالح المستثمرين الذي حولوا الدواء إلى سلعة غالية جدا وليست في متناول الناس؟ من الذي يشعر بالناس الآن أيها السادة؟

هل هناك أي أمل في إصلاح؟ كيف؟ كيف والذين يملكون أمور الحل والعقد هم طبقة واحدة من الناس تملك المليارات وتتضخم ثرواتها كل يوم، والمثير للحزن أن  حكومتنا الرشيدة  لم تعد تفكر في قرار واحد لصالح الغلابة والفقراء والمحرومين؟

كيف تكون حياة كريمة للناس في القري مجرد مراكز شباب حديثة لايرتادها أحد تقريبًا، إلا لالتقاط صور تذكارية مع المسؤولين في المناسبات؟ كيف لا تنشأ صناعات وطنية صغيرة كالمناجر والحدادة والسباكة لكي تساهم في خلق مهن حرة بالأساس اختفت بسبب عزوف الناس عنها والعمل كسواقي توكتوك، لأنه بيكسب أكثر، في حين لم يعد لدينا الصانع الماهر ولا السباك ولا النجار ولا الكهربائي، أنت "يطلع حبابي عنيك" بحثا عن أحدهم الآن، فقد تقلصوا ولم يعودوا يعبأون بالعمل في الأرياف والمراكز، وإنما أصبحت تجذبهم عواصم جديدة ومناطق سكنية يقطنها البهوات والأثرياء ولا عزاء للفقراء.

الحياة الكريمة مفهومها متغير عند الحكومة، فلم تعد حصول الشعب على احتياجاته الضرورية ولا تحقيق طموحاته في سكن ملائم وطعام يشبع الأولاد وكساء وتعليم وصحة، وإنما حياة كريمة أصبحت اللقطة المصورة وليس التخلص من أطنان الزبالة في القري والمراكز النائية ولا تمهيد الشوارع الداخلية التي يئن الناس من طينها وترابها واغبرارها طوال الوقت. لا يمكن أن تستمر الأمور على هذا النحو، بحكومة لا تدرك ولا تشعر بمعاناة الناس ولا تفكر بحلول حقيقية لإنهاء معاناتهم! أي حكومة كهذه التي لايعرف الوزراء فيها شيئا عن معاناة الناس، ولا مراكز أبحاث تقدم تقاريرًا موثوقة لها عن إمكانياتهم المادية ولا احتياجاتهم الضرورية؟!

والسؤال الآن هو: في ظل أننا بنقرف الحكومة ومطلعين عينيها ونطالبها بما لا تستطيع تحقيقه، ماذا عليها أن تفعل بنا؟! ربما الحل أن تطلق علينا "كورونا" لتبيدنا وتتخلص منا!
------------------------------
بقلم: محمود الشربيني


مقالات اخرى للكاتب

رشقة أفكار | الوطن.. هل يجب أن يكون سجنا كبيرا ليحميه من التمزق والضياع؟! (١-٢)